أبو فراس الحمداني
الحارثُ بنُ أبي العَلاء سعيد بنِ حمدان بنِ حمدون الحمداني، ابنُ عمِّ ناصر الدَّولة وسيف الدَّولة ابني حمدان. وكنيتُه: "أبو فراس" مِن أسماء الأسد، ينتسبُ مِن جهة أبيه إلى العرب، ومِن جهة أمِّه إلى الرُّوم، وهو يُشيرُ إلى ذلك بقوله:
إذا خِفتُ من أخواليَ الرُّومِ خطَّةً
تَخوفَّتُ مِن أعماميَ العُرْبِ أربَعا
وقيل بل أُمُّهُ عربيَّة؛ لقولِهِ:
لم تتفرَّقْ بنا خُؤولٌ
في العزِّ أخوالُنا تميمُ
وُلِدَ أبو فراس سنة (321هـ)، في مَنبِج، وهي بلدة سوريَّة تقعُ شمالي حلب، وقيل إنَّه وُلِدَ في المَوصِل، وهي مدينةٌ تقعُ شمالي العِراق، تَيتَّمَ في الثالثة من عمره، فنَشأَ في حضانةِ أُمِّه وعطفِ ابنِ عمِّه سيفِ الدَّولة، وما هو إلَّا أن يَقوى ساعِدُه في الشِّعر حتَّى يُعجَبَ سيفُ الدَّولة بمَحاسنِهِ، ويصطنعَهُ لِنفسِه، ويستصحبَهُ في غزَواتِهِ، ويستخلفَهُ على أعمالِه، وحتَّى يجزيَه خيرَ جزاء، حتَّى إذا بلغ ستَّ عشْرة سنة مِن عمره قلَّدَهُ مَنبِجًا وحرَّان وأعمالَها جميعًا.
في منبج سَجَّلَ أبو فراس على الرُّوم نصرًا بعد نصرٍ، وخَرَّت الحصونُ الواحد بعد الآخَر، وكانَ حينًا يقودُ فيلقَ العرب فيحرقُ المُدُنَ ويسبي النِّساء ويأسِرُ الرِّجالَ، ثُمَّ يعودُ إلى قصرِه يوزِّعُ وقتَه بين الصَّيدِ واللَّهوِ وقرْضِ الشِّعر والمفاخرةِ، ويزورُ حلبَ فيَشهدُ الليالي العامرةَ الَّتي كان يُحييها الأميرُ في "الحَلْبة" قصرِه الفخم، فيُنافسُ الشُّعراء، ويُسابقُ الأدباءَ، وفيهم مَن لو تفرَّقَ على العصورِ لكانَ واحدَها؛ منهم: الوأواء والمتنبِّي وابن نُباتة والصَّنوبريُّ وأبو عليٍّ الفارسيُّ والأصفهانيُّ، تجمَّعوا على باب ابن عمِّه يُنشدون أروع الكلام وأطيبَ المَقال، وفي ذات يوم من أيَّام شوال عام (351هـ) كان عائدًا مِن الصَّيد، فباغتَه الرُّوم تحت قيادة "تيودور"، فدافعَ الشَّاعرُ حتَّى أُثخِنَ بالجراحِ ووقعَ أسيرًا، واقْتيدَ إلى خَرشنة، ثمَّ إلى القسطنطينيَّة، وقيلَ: إنَّه أُسِرَ مرَّتين، وقد اقْتيدَ في المرَّة الأولى إلى خرشنة، وفي الثانية إلى القسطنطينيَّة، وقيل: إنَّ الرُّومَ أكبروا بطولةَ الشَّاعرِ، فأكرَموهُ، وأنزَلوه في قصرٍ يقومُ على خدمتِه فيه خادمٌ، كما خَلَّوا ثيابَه وسلاحَه:
يَمُنُّون أن خلَّوا ثيابي وإنَّما
عليَّ ثيابٌ مِن دمائِهمُ حُمرُ
ولولا الأسرُ ما كانت القصائدُ الخالدةُ في الشِّعرِ الوجدانيِّ العربيِّ، وقد أُطلِقَ على هذه القصائد اسمُ "الرُّوميَّات"، وافتداهُ ابنُ عمِّه سيف الدولة عام (355هـ) بعد أربع سنوات من الأسر، تُوفِّي أبو فراس الحمْداني عام (357هـ)






