Skip to main content

ديوان شعراء سوريا

ذاكرةُ النورِ بعد ليلِ الصمت

قال عمر بن الخطاب: "كان الشعرُ عند العرب علمَ قومٍ لم يكن لهم علمٌ أصحُّ منه" (1) وكيف لا، وهو مرآةُ العصور، ولسانُ الأحوال، يعكس ما في المجتمع من سياسةٍ وفكرٍ واجتماع، وهو ديوانُ العرب الذي حَفِظَ تاريخهم، وصان ثقافتهم، وخلَّد وجدانهم.

ثم إنَّ علاقة العربيِّ بالشعر علاقةُ ولايةٍ وانقياد، علاقةُ دمٍ يجري لا صوتٍ يُسمَع أو نصٍّ يقرأ، وكما يقول نزار قباني:

"إذا أخذنا دبُّوسًا، وأدخلناه تحت جلد أي مواطن عربي، فإن سائلًا سحريًّا سوف يتدفّق، هذا السائل ليس نفطًا، ولا هو من مشتقّات النفط، وإنما هو سائل أخضر اللون، ذهبيُّ اللُّمعة أبديُّ التوهُّج، اسمه الشعر" (2)

ومن هنا فإن تدوينَ شعر الشعراء الذين عاشوا في الجغرافيا السورية على مرِّ العصور، ليس جمعًا لنصوصٍ متفرقة، بل هو تدوينٌ لتاريخِ سوريا العريق، وقراءةٌ في ذاكرتها الحيَّة.

وقد صدق قولُ القائل: "إذا أردتَ أن تعرفَ أمةً، فاقرأ شعرها". فإن تكن كتبُ التاريخ قد عنيت بتدوين الوقائع السياسية والعسكرية، فإن الشعر قد تكفَّل بتدوين التاريخ الاجتماعي، وسجَّل نبض الناس، وصوَّر حياتهم، وأبان عن أحلامهم وآلامهم. وقد أحسن أبو هلال العسكري إذ قال: "لا نعرفُ أنساب العرب وتواريخها وأيامها ووقائعها إلا من جملة أشعارهم، فالشعر ديوان العرب وخزانة حكمتها" (3)

وهذه الأرضُ التي أنجبت العلماء، وربَت على ثراها الحضارة، ما من بابٍ من أبواب العلم والثقافة إلا وكان لسوريا فيه قِدَمٌ وسَبْق، وكان بابُ الشعر أوسعَ تلك الأبواب، وأرسخَها جذورًا، وأشدَّها اتصالًا بالروح واللغة. ولمَّا أراد بعضُ العلماء تدوين علومهم وتيسير حفظها، لجؤوا إلى نظمها شعرًا، فكان من ذلك «ألفيَّة ابن مالك» النحوي، الذي عاش في دمشق ومات فيها، شاهدًا على امتزاج العلم بالشعر في هذه البلاد.

ثم إن بلاغةَ القول إذا جاءت شعرًا كانت أشدَّ وقعًا، وأبلغ أثرًا، ولذا حفظ لنا التاريخ رسائلَ شعريةً كانت أبلغَ من مطوَّلات الخطب، وأصدقَ إنذارًا من كثيرٍ من الرسائل.

وهذا ديوانٌ جامعٌ لشعراء سوريا، مذ كان أوَّلُهم إلى يومنا هذا، أردناه سجلًّا للروح، وشاهدًا على التاريخ، ومرآةً لبلادٍ ما زالت تنطق شعرًا وإن جار عليها الزمان.

وانطلاقًا من إيماننا بعظمة هذا المشروع وأهميَّته، اجتهدنا في إعداد هذا الديوان أن نتحرَّى الدقة في النقل، ونسبةَ القصائد إلى قائليها، ملتزمين أصول التحقيق، وقواعد التدقيق، ولوازم التوثيق، مع تمييز المقول من المنقول، وتجنُّب المنحول، وجمع السِّيَر من المراجع الصحيحة المعتمدة. ولن يألو فريقُنا جهدًا في مراجعة هذا العمل ونقده، وتجنُّب عثرات ندِّه، حتى يخرج نسيجَ وحدِه، جامعًا مانعًا.


  1. المزهر في علوم اللغة للسيوطي: ج1/ص237
  2. الأعمال النثرية الكاملة، الجزء الثامن، منشورات نزار قباني بيروت: ص11
  3. الصناعتين لأبي هلال العسكري بتحقيق علي محمد البجاوي: ص138

* كتب النص حسام كريِّم