ابن الساعاتي
وُلِد في مدينة دمشق نحو سنة (553)هـ، ونشأ في بيئة علمية وحضارية أسهمت في بروز موهبته الشعرية مبكرًا حتى عُرف بالشاعر الدمشقي. وكان والده محمد بن علي بن رستم من أصل خراساني، وقد اشتهر بمهارته في صناعة الساعات، ولا سيما الساعة التي كانت عند باب الجامع في دمشق، ومن هذه المهنة جاءت نسبة الشاعر إلى لقب ابن الساعاتي. وقد نشأ في أسرة قريبة من دوائر الحكم، إذ كان والده وأخوه في خدمة الملوك والأمراء الأيوبيين، الأمر الذي أتاح له منذ شبابه الاتصال بكبار الشخصيات والاقتراب من مجالس السلاطين.
اتصل ابن الساعاتي بعدد من القادة والملوك في عصره، فمدح الخليفة العباسي الناصر لدين الله في بغداد، وكان من شعراء السلطان صلاح الدين الأيوبي، فنظم في مدحه وفتوحاته – ولا سيما فتح القدس – عددًا من القصائد، كما ارتبط بعلاقات مع بعض أفراد البيت الأيوبي مثل الملك العادل وأبنائه. وقد جعلته هذه الصلات من شعراء البلاطات البارزين، إذ استطاع بشعره أن يثبت مكانته بين أدباء عصره ويكسب قرب السلاطين والأمراء.
قضى الشاعر معظم حياته في دمشق، غير أن إقامته فيها لم تكن خالية من الضيق والاضطراب النفسي؛ فقد كان يشعر بأن أبناء بلده لا يقدِّرون منزلته الأدبية حق قدرها، كما عانى من حسد بعض الأدباء ومنافستهم له. وقد دفعه هذا الشعور، إلى جانب رغبته في تحسين أحواله المادية، إلى مغادرة دمشق متوجهًا إلى مصر نحو سنة (585)هـ وهو في أوائل الثلاثينيات من عمره. ومع ذلك ظل حنينه إلى دمشق واضحًا في شعره، فكان يذكرها بمحبة ويصفها بأنها موطن الجمال والنعيم، ويعدُّ مفارقته لها أمرًا اضطراريًّا لا اختيارًا.
أقام ابن الساعاتي في مصر بقية حياته، حيث نال قدرًا من الاستقرار واليسر، غير أن حياته لم تخلُ من الحزن، إذ فُجع بوفاة بعض أولاده، ولا سيما ابنه عيسى الذي رثاه بقصائد مؤثرة انعكس فيها صدق العاطفة ومرارة الفقد. وقد اتسمت شخصيته بالحساسية والاعتداد بالنفس، فكان شديد الغيرة على مكانته الأدبية، سريع التأثر بما يحيط به من منافسة أو نقد.
أما من حيث فنه، فقد عُدَّ ابن الساعاتي من شعراء الصناعة البديعية في عصره، وتميز شعره بسلاسة الألفاظ ولطف العبارة والقدرة على التصرُّف في الصور البيانية، ولا سيما في فنون الغزل وكان مولعًا به وتميز في المديح والوصف ولا سيما وصف الطبيعة. وقد ظل طوال حياته يسعى إلى إثبات تفوقه الأدبي وكسب الاعتراف بموهبته، حتى توفي – على الأرجح – نحو سنة (604)هـ بعد حياة قاربت إحدى وخمسين سنة، تاركًا أثرًا واضحًا في شعر العصر الأيوبي.






