ابن عنين
ابن عُنَين: شرفُ الدِّينِ أبو المحاسن، مُحمَّد بن نصر بن الحُسينِ بن علي بن مُحمَّد بن غالبٍ، المعروف بابن عُنَيْن، وُلد في مدينةِ دمشقَ عام 549 هـ، ونشأ في كنَفِ العِلمِ والعلماءِ قربَ جامعِها الأموي. تلقَّى أصولَ اللُّغةِ والنَّحوِ على يدِ أبي الثَّناء الشِّيزري، وسمِع مِن الحافظِ ابنِ عساكر، واشتغل بطرفٍ مِن الفقهِ على قطبِ الدِّينِ النَّيسابوري، وهو ما أسهمَ في صقلِ موهبتِه الفِطريَّةِ الَّتي تفجَّرَت شِعرًا وهو لم يتجاوزِ السَّادسةَ عشرةَ مِن عمرِه.
عُرف ابنُ عُنَين بلسانٍ لاذعٍ ونفسٍ ساخرةٍ، فلم يتركْ مِن أعيانِ دمشقَ ولا قُضاتِها أو علمائِها أحدًا إلا وأصابَه بسهمٍ مِن هِجائِه، حتَّى طالت جُرأته مقامَ السُّلطانِ صلاحِ الدِّينِ الأيوبيِّ، فصدَرَ أمرٌ بنَفيِه مِن البلادِ.
بدأت منذُ تلك اللَّحظةِ رحلةُ شَتاتٍ استمرَّت أكثَرَ مِن عشرينَ عامًا، طاف خِلالَها أرجاءَ المَشرِقِ الإسلاميِّ مِن بغدادَ إلى خراسانَ وخوارزمَ وغزنةَ، وبلغَ تخومَ الهندِ، ثمَّ استقرَّ في اليمنِ في كنفِ ملكِها سيفِ الإسلامِ طغتكينَ بنِ أيُّوبَ الَّذي وجدَ عندَه الحمايةَ والإكرامَ.
ورغمَ غُربتِه الطَّويلةِ وتردُّدِه بينَ اليمنِ ومصرَ ومكةَ للتِّجارة، ظلَّ الحنينُ إلى دمشقَ يسكنُ شِعرَه، حتَّى استعطفَ الملكَ العادلَ بقصيدتِه الرَّائيَّةِ المشهورةِ:
ماذا على طَيفِ الأحبَّةِ لو سرى
وعليهمُ لو سامحوني بالكَرى؟
فسمح له بالعودة.
في مرحلتِه المُتأخِّرةِ من حياتِه انقلب حالُه مِن الهجاءِ والنَّفي إلى الحظوةِ والمكانةِ، فترقَّى في المناصبِ حتَّى تولَّى الوِزارةَ بدمشقَ في عهدِ الملكِ المُعظَّم عيسى، وكان يُعدُّ مِن عليةِ القومِ وأعيانِهم.
ورغمَ محاولاتِه في ختامِ حياتِه التَّخليَ عن صخبِ الدُّنيا والاعتكافَ للعبادة، فإنَّ مكانتَه السياسيَّةَ والأدبيَّةَ ظلَّت باقيةً حتَّى وافَته المَنيَّةُ في مَسقطِ رأسِه دمشقَ سنةَ 630 هـ، عن عمرٍ ناهزَ إحدى وثمانينَ سنةً، تاركًا خلفَه ديوانًا شِعريًّا يُعدُّ مرآةً لعصرٍ حافلٍ بالتَّقلُّباتِ، وشاهدًا على مسيرةِ شاعرٍ صنعَ مِن النفيِ رحلةَ علمٍ، ومِن الهِجاءِ طريقًا إلى الخلودِ الأدبيِّ.






