Skip to main content

يا إخوتي كيف السبيل إليكم

هبة الله المعري

العصر العباسي

يا إخوَتي كيفَ السَّبيلُ إليكُمُ لا كانَ يومٌ بِنتُ فيهِ عَنكمُ
فارَقتُ مُذْ فارَقتُكم سِنةَ الكَرى ووَصَلتُ حَبلَ الدَّمعِ منذُ صَرَمتُمُ
ولقد أرى بَيني وبينَكمُ نَوًى مِن دُونِها وَضحُ المَسالكِ مُبهَمُ
تاللَّهِ ما أجفوكمُ لِمَلالةٍ أجفوكمُ ويَعِزُّ أنْ أجفوكمُ
واللَّهِ لا نَهنَهتُ مَدمَعَ ناظِري أنِّي جَرى منهُ لِفُرقتِكم دَمُ
واللَّهِ ما أسَفي على الدُّنيا ولو فارَقتُها، أسَفي بكم وعليكمُ
أدْعوكمُ شَوقًا ونِيرانُ الأسى بينَ الجَوانِحِ والحَشا تَتضرَّمُ
وإذا ذَكَرتُكمُ تَفيضُ مَدامِعي بدَمٍ، وكلُّ جَوارِحي تَبكيكمُ
أُفْني اللَّياليَ بالتَّحرُّقِ والبُكا وكذاكَ أيَّامي بهِ تَتَصرَّمُ
عَينٌ مُؤرَّقةٌ وجِسمٌ ناحِلٌ وحَشًا مُقَلقَلةٌ وقلبٌ مُغرَمُ
ولقد حَمَلتُ الحُزنَ طِفلًا فاغْتَدى دُوني إذا ذُكِرَ الحَزينُ مُتَمِّمُ
حتَّى لو انَّ يَلَملَمًا حَمَّلتُهُ بعضَ الَّذي بي ما اسْتَقلَّ يَلَملَمُ
أَبَني أبي إنْ غِبتُمُ عن ناظِري فلَأنتمُ عن خاطِري ما غِبتُمُ
أجِدُ الحياةَ مَريرةً ما لم أكُنْ أنا في الحياةِ كما أُحِبُّ وأنتمُ
يا لَيتَني فارَقتُ مُذْ فارَقتُكم رُوحي، وبِنتُ إلى البِلى مُذْ بِنتُمُ
فالوَجدُ بعدَكمُ عليَّ مُحلَّلٌ والصَّبرُ بعدَكمُ عليَّ مُحرَّمُ
أبكي وتَندُبُني القَوافي حينَ لا خِلٌّ يَرِقُّ ولا نَسيبٌ يَرحَمُ
وتَهيجُ نارُ الشَّوقِ بينَ جَوانِحي فكأنَّما بينَ الصِّفاقِ جَهنَّمُ
فأبيتُ مِن حَرِّ الصَّبابةِ والأسى في جَذوةٍ لا أسْتطيعُ أُهوِّمُ
وإذا ذَكَرتُ أبا الكِرامِ تَقطَّعَت كَبِدي، وبَرَّحَ بي نزاعٌ مُؤلِمُ
ولقد أحِنُّ إلى أبي الفَضلِ الَّذي عَيْني تَسُحُّ دَمًا عليهِ وتَسجُمُ
فيَلومُ في جَزَعي أبي ويَلومُني عَمِّي، ولَومُهما أعَقُّ وألوَمُ
أَمُعنِّفي بمَلامةٍ لِتَحرُّقي أسْلوهمُ، هَيهاتَ أنْ أسْلوهمُ
أَبَني أبي والأكرَمِينَ متى دُعوا لِلمَكرُماتِ ولِلنَّدى فهُمُ هُمُ
هل مُسعِدٌ أشْكو إليهِ وإنَّما أشْكُو صُروفَ الدَّهرِ لا أشْكوهمُ
ذادَ الكَرى عن مُقلتَيَّ خَيالُكم فالنَّومُ أقلَعَ والسُّهادُ مُخيِّمُ
بَخِلَ الزَّمانُ بكم عليَّ فبانَ بي عنكم وساعَدَهُ القَضاءُ المُبرَمُ
أَتُراهُ يَسمَحُ بالوِصالِ فأشْتَكي وأبُثُّ ما لاقَيتُ منهُ إليكمُ
إنْ خَفَّ وَبلُكمُ وشَطَّ مَزارُكم فحَليفُنا رَبُّ السَّماءِ عليكمُ (١)
كُنَّا نَذُمُّ مِن الزَّمانِ حَميدَهُ قِدمًا، فكيفَ الآنَ وهْو مُذمَّمُ
في كلِّ يومٍ مِن زَماني نَكبةٌ تَعْتادُني خَتلًا، ويومٌ أيْوَمُ
تَقْضي حَوادِثُه عليَّ بجَورِها وصُروفِها أنَّى تَشاءُ وتَحكُمُ
حظٌّ خُصِصتُ بهِ وجَدٌّ نازِلٌ بي في الحَضيضِ وجانِبٌ مُتَهضَّمُ
ومِن العَجائِبِ أنَّني عاتَبتُهُ فيما جَناهُ فأعقَبَتني الصَّيلَمُ
لا تَسْألي يا عَزَّ عمَّا نابَني فمِنَ الحَديثِ مُحدَّثٌ ومُكتَّمُ
كُفِّي كَفاكِ -ولا أبا لَكِ- أنَّني أصبَحتُ والأعْداءُ فِيَّ تَحكَّموا
مُلقًى بدارِ مَذلَّةٍ مُستَوطِنًا سِجنًا أُسامُ الخَسفَ فيهِ وأُظلَمُ
لا ناصِرٌ لي ألْتَجي بفِنائِهِ أنَّى انْتصَرتُ، ولا وَليٌّ مُكرِمُ
أُمْسي وأُصبِحُ في الحَديدِ مُكبَّلًا مِن غيرِما جُرمٍ كأنِّي مُجرِمُ
مُتَقمِّصًا ثوبَ الأسى قد بَزَّني ثوبَ التَّصبُّرِ والتَّأسِّي أدهَمُ
قَيدٌ ثَقيلٌ قد بَراني حَملُهُ وجَوًى أُكابِدُهُ، وسِجنٌ مُظلِمُ
سِيَّانِ فيهِ لَيلُنا ونَهارُنا وحَياتُنا ماذِيُّها والعَلقَمُ
ولَذاكَ أيسَرُ مِن مَقالةِ حاسِدٍ يُسْدي التَّمائِمَ بالمحالِ ويُبرِمُ
قُلْ لِلمُرِيق دِماءَنا: كُفَّ الأذى عنَّا، فحَسبُكَ سَعيُكَ المُتقدِّمُ
ألزَمتَنا جُرمًا ولمَّا نَجنِهِ ظُلمًا فصارَ لُزومَ ما لا يَلزَمُ
أمُحمَّدٌ أدعوكَ حينَ أظَلَّني خَطبٌ يَجِلُّ عنِ الخُطوبِ ويَعظُمُ
ما خِلتُ أنَّكَ تارِكي تَنْتاشُني طُلسُ الذِّئابِ وأنتَ أنتَ الضَّيغَمُ
وتَنوشُني سُمْرُ الرِّماحِ ولا أرى بِيضًا تُسَلُّ ولا قَنًا تَتحطَّمُ
يا خالِ لا تَقطَعْ أواصِرَ بَينِنا واحْلُمْ، فمِثلُكَ مَن يُعَقُّ فيَحلُمُ
واعْطِفْ على الأطفالِ عِطفةَ والِدٍ حَدِبٍ فإنَّكَ أُمُّهم وأبوهمُ
واذْكُرْ لهم ما ليسَ يُنسى مِثلُهُ فلَأنتَ مِن نِسيانِ ذلكَ أكرَمُ
اِحْفَظْ لهم ما ليسَ يُجهَلُ حَقُّهُ ذِمَمٌ مُؤكَّدةٌ وعَقدٌ مُحكَمُ
(١)- في البغية: و(حليفي) مكان (وحليفنا)، وبه ينكسر الوزن.

المصدر: بغية الطلب في تاريخ حلب، كمال الدين بن العديم، تحقيق: المهدي عيد الرواضية، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، ط1، ج10، ص 457.

سمات القصيدة
القراءات: 12 قراءة