وطني
يَجني وأَشكُرُ في الهوى يَدَهُ وطنٌ شَقِيتُ بهِ لِأُسعِدَهُ
آلَيتُ لا بالَيتُ بي ألَمًا وبهِ دَمٌ حتَّى أُضَمِّـدَهُ
يَومي لهُ، وغَدي لهُ، هِبةً وعسايَ أَحمَدُ في غَدي غَدَهُ
كم ليلةٍ سامَرتُ أنجمَها مُترقِّبًا في الشَّرقِ فَرْقـَدَهُ
أرعى كواكبَها وأَرصُدُهـا مُتَحَجِّبًا عَمَّن تَرَصَّـدَهُ
عَجَبي وما عَجَبي لِغَيريَ مِنْ مُتوجِّدٍ يُخفي تَوَجُّدَهُ
مُتفجِّعٍ مُتوجِّعٍ قَلِقٍ يُذكي تَنهُّدُهُ تَوقُّدَهُ
يَشكو، وما يَشكو سوى وطنٍ لم يَحملِ الإخلاصُ مِقوَدَهُ
إن هَمَّ يُصلِحُ حَوْلَهُ خَلَلًا عَبَسَ القضاءُ لهُ فأَقعَدَهُ
أو شاءَ يُطلِقُ نفسَهُ لِهُدًى عرَضَ الزَّمانُ لهُ فقَيَّدَهُ
أو هَبَّ يَجمعُ قومَهُ حَشَدًا نفثَ العَدُوُّ بهِ فبَدَّدَهُ
يا عابثِينَ بأُمَّةٍ نهضَـت لِلمَجدِ تَفنى أو تُوطِّـدَهُ
الشَّرقُ أهرَقَ بينَكمْ دَمَهُ وافْتَكَّ مُطلِقُهُ مُقَيَّدَهُ
ما راقَني إلا الزَّئيرُ بِـهِ يَهتاجُ أُرَّقَهُ وهُجَّدَهُ
شَحَذَت نوائبُهُ عزائمَهُ فَغَدا مُرَزَّؤُهُ مُحَسَّدَهُ
حتَّى إذا لانَت عَريكتُهُ أقلَقتُمُ في الأمنِ مُغْمَدَهُ
ويحَ السِّياسةِ في تقلُّبِهـا يَسلو الحَليمُ بها تَجَلُّدَهُ
جَنَتِ السِّياسةُ وَهْيَ خالِبةٌ فأضلَّتِ الظمآنَ مَوْرِدَهُ
قادَتْهُ باسْمِ الدِّينِ مُورِيةً لِلشَّرِّ، لا لِلخيرِ، أَزْنُدَهُ
نادَتْ مُغَرِّرَةً مُثَلِّثَـهُ ودَعَتْ مُنَفِّرَةً مُوَحِّدَهُ
يا حاملي عَلَمِ الشِّقاقِ بهِ لا تَحمِلوا للشَّرقِ أَصْفُدَهُ
النَّاسُ أَبصَرُ في عَقائدِهمْ كلُّ امْرِئٍ يَنتابُ مَعبَدَهُ
لا تَبعثوها فِتنةً عَمَمًا تُؤذي كنيستَهُ ومَسجِدَهُ
لا كانَ لي وطنٌ تُمزِّقُهُ ذِكراهُ عِيساهُ وأحمَدَهُ
ويلي على وطنٍ يُهدِّمُهُ مَن كنتُ آمُلُ أن يُشيِّدَهُ
كم صائحٍ: وطني! حَسِبتُ بهِ كَشَّافَ غُمَّتِهِ، ومُنجِدَهُ
دارَتْ بهِ الأيَّامُ دَورَتَها وارْتَعتُ حينَ رأيتُ مَشهَدَهُ
أبصرتُهُ هدفًا لهُ وطني والسَّهمُ بينَ يَدَيهِ، سَدَّدَهُ
تَخِذَ الوَلُوعَ بحُبِّ مَوطنِهِ شَرَكًا لهُ وبَغى تَصَيُّدَهُ
قالوا: بهِ شَغَفٌ بسُؤدُدِهِ هيهاتَ ما إنْ وَدَّ سُؤدُدَهُ
لم يَهوَ إلَّا سَلْبَ نِعمَتِهِ وكُنوزَ فِضَّتِهِ، وعَسجَدَهُ
ما كانَ يَطلُبُ غيرَ مَرتَبةٍ أو مَنصِبٍ حتَّى تَقَلَّدَهُ
بيني وبينَ بَنِيكَ يا وطني عهدٌ سَتَعلَمُني مُؤيِّدَهُ
هذي يدي، ورهينتي كبِدي والحُرُّ يُتْبِعُ رُوحَهُ يَدَهُ
المصدر: ديوان الزِّركلي
الأعمال الشِّعريَّة الكاملة الطبعة الثَّانية
مؤسَّسة الرسالة ـ بيروت
الصفحة: 32





سمات القصيدة

