Skip to main content

تجلى على سري حقيقته جهرا

عائشة الباعونية

العصر المملوكي

تجلَّى على سِرِّي حقيقتُهُ جَهْرا تجلِّي كمالٍ لم يدَعْ دونَهُ سِتْرَا
ولمَّا تجلَّى دَكَّ طَوْرَ أَنِيَّتي فلم يُبْقِ منِّي الآنَ عينًا ولا أثْرَا
وصرتُ منَ الإطلاقِ في الغايةِ الَّتي عليها مَدارُ القومِ في الفتْيةِ الكُبْرَى
فلا غيرَ لي يبدُو ولا سُؤْلَ أبتغي ولا وهْمَ بي يَسري ولا هَمَّ لي يَطْرَا
حبيبٌ تَوالى غَرْفُ معرفتي بِهِ فمعرفةُ الأغْيارِ عندي غدَتْ نُكْرَا
جلاني تَجلِّيهِ فأفْنى بَقِيَّتي فصرْتُ منَ الأكوانِ أجمعِها حُرَّا
وعوَّضنِي عنِّي بقائي بحقِّهِ بجنَّةِ عدْنٍ لا أجوعُ ولا أعْرَى
يديرُ على سرِّي كؤُوسَ شهودِهِ فأشربُها صِرْفًا فتُورِثُني شُكْرَا
فلم أدرِ سُكْرِي بالخطابِ أوِ اللِّقَا وساقي الحُمَيَّا بالحقيقةِ هُوْ أَدْرَى
يُلاطفُني بالأُنْسِ في حضْرةِ الوفا ويُطلعُني سِرًّا ويمنحُني بِرَّا
ويُشهِدُني فرْدًا بلا مَثْنوِيَّةٍ تحَجَّبَ في الأفعالِ في كلِّ ما أَجْرَى
خرَقْتُ بفَيضِ الفضلِ منهُ سُتُورَها ووَافَيتُ شمسًا في الجمالِ بدا بدرَا
فرُوحِي لهُ أُفْقٌ وسرِّيَ مَطْلَعٌ وقلبي لهُ مَثْوًى وعقلي لهُ أَسْرَى
أطعْتُ عليهِ لوعتي وصبابتي وخالفْتُ عُذَّالي وقد أبْرَمُوا أَمرَا
فتبًّا لهمْ لو يعلمون بمنْ بِهِ فنائيَ عنْ كُلِّي إذا بسطُوا العُذْرَا
ولو رشفُوا يومًا سُلافةَ ذِكرِهِ لَمالُوا بها سُكرًا وخَرُّوا لَهُ شُكرَا
رُوَيدَكَ يا لاحي فإنْ تَذُقِ الهوى لَهانَ عليكَ الكُلُّ وهْوَ بِكَ الْأَحْرَى
وإنْ ترَ مِنْ مَبْدا تجلِّيهِ لامِعًا لَمُتَّ بِهِ وَجْدًا ولم تستطعْ صبْرَا
فلا تَلُمِ العشَّاقَ إن طلبُوا الفنا ولم يَرْهَبُوا في العشقِ قَتْلًا ولا أسْرَا
وخاضُوا فيافِيهِ ولم يَدَعُوا بِهِ منَ الوَجْدِ والأشجانِ سَهلًا ولا وَعْرَا
وجَدُّوا وما صَدُّوا وأَنُّوا وما وَنَوا وخَلَّوا وما مَلُّوا فَنَاءً ولا فَقْرَا
تَساوى لديهمْ كلُّ حالٍ بِحُبِّهِ فسِيَّانِ منهُ الحُلوَ كان أوِ المُرَّا
فليسَ لهمْ في حالِهمْ منْ تَفَاوُتٍ فسَكرَانُهُمْ صاحٍ وصاحيهُمُ سَكْرا
سَرَوا للفَنَا في الحانِ فازُوا بِرَيِّهِ وعند صباحِ الوصْلِ قد حَمِدُوا المَسْرَى
همُ القومُ أهلُ اللهِ منْ أَمَّ بابَهُمْ حَبَوْهُ منَ المعروفِ ما جاوزَ الحَصْرَا
وإن قَبِلُوا عَبْدًا تفانى علَيْهِمُ إلى أَنْ فَنِيْ حازَ السِّيادةَ والفَخْرَا
وإنْ وردَ الظَّمآنُ ناديْ نَداهُمُ فلا ظمأٌ يَطْرَا وقد وردَ البَحْرَا
وإنْ نظرُوا جُودًا إلى حالِ مُغْرَمٍ يَبِيتُ قَريرَ العَيْنِ بالوصلَةِ الزَّهْرَا
وإنْ عطَفوا فضلًا على فَقرِ مُدْنَفٍ أتَتْهُ بِنَيلِ القَصدِ منْ ربِّهِ البُشْرَى
توَجَّهْ إليهمْ بالخُرُوجِ عنِ السِّوَى وغُضَّ عنِ الدُّنيا وكُفَّ عنِ الأُخْرى
وكُنْ لهمُ حتَّى تصيرَ بلا أَنَا هنالكَ أقصى السُّؤْلِ والمَورِدُ الأَمْرَا
هناكَ مَحَطُّ المُصْطَفَينَ بأسرِهِمْ وسَيِّدُهُمْ طه أجلُّ الورى قَدْرَا
وَسِيلَتُنَا العُظمى إليهِ بِهِ لَهُ ومُقْبِسُنَا مَدًّا، ومَانِحُنَا جَبْرا
عليهِ منَ المَحبوبِ أزْكى صلاتِهِ وأكملُها نُجْحًا، وأطيَبُها عِطْرا
مدى الدَّهرِ ما جادُوا على فَقْرِ مُعْدِمٍ فأصْبحَ بالأسرارِ في مُنتهى السَّرَّا
المصدر: ديوان فيض وجمع الشمل – عائشة الباعونية –تح: د. مهدي أسعد عرار ص 335 – 336 - 337
سمات القصيدة
القراءات: 16 قراءة