Skip to main content

هو الدهر ما تبنيه كفاك يهدم

ابن العديم

العصر المملوكي

هــو الدَّهـرُ مـا تَـبـنـيـهِ كـفَّاك يَـهـدمُ وإن رُمْـتَ إنــصـافًـا لَـديـهِ فَــيَـظْـلِمُ
أبــادَ مُـلوكَ الأرضِ كــسـرى وقـيـصـرًا وأصْــمَـتْ لدى فُـرســانِـهـا مـنـهُ أسـهُـمُ
ومُـلكُ بَـنـي العــبَّـاس زَالَ ولم يَـدَعْ لَـهُـم أثـــرًا مِــن بَــعــدِهــمْ وهُــمُ هُــمُ
وأعـتابُهُـم أضـحَـت تُــدَاسُ وعَـهْـدُهـا تُــبــاسُ بـــأفـواهِ الـمُـلوكِ وتُــلـثَـمُ
وأفــنــى بَـنـي أيُّـوبَ كُـثْـرَ جَـمـيـعِـهـم ومـــا مِـــنــهـــمُ إلَّا مَـليـكٌ مُــعَــظَّــمُ
وعــن حَــلَبٍ مــا شِــئتَ قُـلْ مِـن عـجـائبٍ أَحَــلَّ بــهــا يــا صــاحِ إن كــنــتَ تَـعـلَمُ
غــداةَ أتــاهــا لِـلـمَـــنِــيَّـةِ بَــغْــتــةً مِـن المُـغْـلِ جـيـشٌ كـالسَّحـابِ عَـرَمْـرَمُ
أحـاطـوا كـأسـرابِ القَـطـا بِـرُبـوعِـهـا عـلى سُــبَّـقٍ جُـرْدٍ مِـنَ الخَـيـلِ طُـهَّـمُ
ومِـن بَـعـدِ ســتٍّ هــاجَـمُـوهـا ومـا لَهـم مِـنَ المـوتِ واقٍ لا ولا مِــنــهُ مُـعـصــمُ
فـمـا دفــعَت أسـوارُهـا عـنـهـمُ الَّـذي دَهــاهُـم ولا مـا شـــيَّدُوهُ ورمَّمـــوا
أتَـوهـا كـأمـواجِ البِــحــارِ زواخِــرًا بِـبِــيـضٍ وسُـمْـرٍ والقُــتـامُ مُـخــيِّــمُ
فـلو حـلبَ البـيضـاءَ عـايـنْـتَ تُـرْبَـهـا وقــد عَـنْـدَمَ الفِضِّيَّ مِن تُـرْبِـهـا الـدَّمُ
وقـد سُــيِّرَت تِلـكَ الجِــبــالُ وسُــجِّــرَت بِـهِـــنَّ بِحــارُ المــوتِ والجــوُّ أقــتَــمُ
وقــد عُـطِّـلَت تِـلـكَ العِـشـارُ وأُذهِـلَت مَـــراضِــعُ عـمَّـا أرضَـعَـت وهْـيَ هُـيَّـمُ
فـيـا لَـكَ مِــن يـــومٍ شـــديـــدٍ لـغــامُـهُ وقـد أصـبـحَـت فـيـهِ المَـسـاجِـدُ تُهـدَمُ
وقـد درسَــت تِـلـكَ المَــدارِسُ وارْتــمَـت مَـصـاحفُهـا فـوقَ الثَّـرى وهْـيَ تُهـصَـمُ
وقــد جُــزِزَت تِـلـكَ الشُّـعـورُ وضُـمِّـخَـت وُجــوهٌ بــأمــواهِ الـدِّمــا وهْــيَ تُــلطَــمُ
وكُـلُّ مَـهــاةٍ قــد أُهــيــنَـت سَـبــيَّـةً وقـد طـالَ مــا كـانَــت تُـعَـزُّ وتُـكـرَمُ
تُـنـادي إلى مَـن لا يُـجـيـبُ نِـداءَهـا وتَـــشـكـو إلى مَـن لا يَــرِقُّ ويَــرحَــمُ
فـمـا غـادروا إلَّا الـيَـسيـرَ وقد أتـى الـ ـحِـسـابُ عـلى البـاقِـيـنَ بـالحرفِ يُـقـسَمُ
وأقــوَت رُســومٌ كُـنَّ فــيـهـا وأقـفَـرَت رُبــوعٌ بِــهــم كــانَــت تُــنــيــرُ وتُـرسَـمُ
فــأيـقـنـتُ أنَّ الأرضَ مـادَت وأقـبَـلَت بـهـا الصَّـاخَـةُ الكُـبـرى وآنَ الـتَّـنَـقُّـمُ
فـــيــا حَـلَـبًــا أنَّـى رُبُــوعُـكِ أقــفــرَت وأعــيَــت جَـوابًـا فــهْــيَ لا تَــتَــكــلَّـمُ
وكُـنْـتِ لِـمَـن وافـاكِ بـالأمـسِ جَـنَّـةً فـمـا بــالُ هــذا اليــومِ أنـتِ جَهَـنَّـمُ
بـأيِّ جَـنًـى مِـنـكَ اسْـتَـحَـقَّـيـتِ ذا الَّـذي أصـابَــكِ والأعــداءُ فــيـكِ تَـحَـكَّـمـوا
وكـــيـــفَ أصـــابَـتكِ الحَــوادِثُ غِــرَّةً بِـعَـيـنِ الـرَّدى، والبُـؤسُ عـنكِ يُـتَـرجَـمُ
أمـا كـنـتِ مَـلْـجَـأً لِمَـن خـافَ حـائِـرًا وفـيـكِ لِـذي البـأسـاءِ والضُّـرِّ أنــعُـمُ
أمـا كــنــتِ غَـوثًـا لِـلـوُفـودِ ومَـقـصِـدًا يَخـافُـكِ ذو شَــرًّ ويَــرجــوكِ مُــعــدِمُ
أمــا كـنـتِ لِلدَّاعـي إذا مـا دَعـا جَـدًا وفـيكِ لِـمَـن يَـبـغـي مِـنَ البَـغْـيِ مُـقْـدِمُ
يَـعِـزُّ عــلى قــلبــي المُـعَـنَّـى بـأنَّـنـي أرى رَبـعَــكِ المــأنــوسَ قَــفْـرًا ويَـعـظُـمُ
فـأيـنَ أحـبَّـائي الَّـذيـنَ عَـهِـدتُـهُـم بِــرَبـعِـكِ والقُـطَّانُ فـيكِ مُــخَــيِّــمُ
وأيـنَ شُـمـوسٌ كُـنَّ بــالأمــسِ طُـلَّـعًـا فــأيـنَ اسْــتـقـلُّوا بـالرِّكـابِ ويَـمَّمـوا
فـهـا أنــا ذو وَجْـدٍ يُحيطُ بـأضلُـعـي علـيكِ وعَـيْـشـي فــي البِـلادُ يُــذَمَّمُ
أنُــوحُ عـلى أهــليـكِ فـي كُـلِّ مَـنــزِلٍ وأبـكـي الدُّجــى شـوقًـا وأسـأَلُ عـنـهُـمُ
ولكــنَّـمــا لـلـهِ فـي ذا مَـــشـــيـــئـةٌ فَـيَـفــعــلُ فــيـنـا مـا يَـشـاءُ ويَحـكُـمُ
المصدر: تذكرة ابن العديم؛ كمال الدِّين ابن أبي جرادة، عنِيَ بتحقيقه: إبراهيم صالح، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث ، دار الكتب الوطنية، ص43
سمات القصيدة
القراءات: 13 قراءة