Skip to main content

هل أنت راحم عبرة وتوله

هلْ أنتَ راحِمُ عَبرةٍ وتَولُّهِ ومُجيرُ صبٍّ عندَ مَأمَنِهِ دُهِي
هيهاتَ يَرحَمُ قاتِلٌ مَقتولَهُ وسِنانُهُ في القلبِ غيرُ مُنَهنَهِ
مَن بَلَّ مِن داءِ الغرامِ فإِنَّنِي مذْ حلَّ بي داءُ الهوى لم أنْقَهِ
إنِّي بُليتُ بحُبِّ أغيَدَ ساحِرٍ بلِحاظِهِ، رَخصِ البَنانِ بَرَهْرَهِ
أبْغي شِفاءَ تَدلُّهي مِن دَلِّهِ ومتى يَرِقُّ مُدلَّلٌ لِمُدلَّهِ؟
كم آهةٍ ليَ في هَواهُ وأنَّةٍ لو كانَ يَنفَعُني عليهِ تَأوُّهي
ومآرِبٍ مِن وَصلِهِ لو أنَّها تُقْضى لكانَت عندَ مَبسِمِهِ الشَّهي
يا مُفرَدًا بالحُسنِ إنَّكَ مُنتَهٍ فيهِ، كما أنا في الصَّبابةِ مُنتَهِ
قد لامَ فيكَ مَعاشِرٌ، أفأنْتَهي باللَّومِ عن حُبِّ الحياةِ، وأنتَ هيْ؟
أبكي لَديهِ، فإنْ أحَسَّ بلَوْعةٍ وتَشهُّقٍ، أَوْما بطَرفِ مُقَهقِهِ
أنا مِن مَحاسِنِهِ وحالِي عندَهُ حَيْرانُ بينَ تَفكُّهٍ وتَفكُّهِ
ضِدَّانِ قد جُمِعا بلَفظٍ واحِدٍ لي في هواهُ بمَعنيَينِ، مُوجَّهِ
لَأُجرِّدَنَّ مِنَ اصْطِباري عَزْمةً ما رَبُّها في مَحفِلٍ بمُسفَّهِ
أوَلستُ رَبَّ فَضائِلٍ لو حازَ أَدْ ناها -وما أُزْهى بِها- غَيري زُهي
شَهِدَت لها الأعْداءُ واسْتَشفَت بِها عَيْنا حَسودٍ بالعَماوةِ أَكمَهِ
أنا عبدُ مَن شَهِدَ الزَّمانُ بعَجزِهِ عن أنْ يَجِيءَ لهُ بنِدٍّ مُشبِهِ
عبدٌ لِعِزِّ الدِّينِ ذِي الشَّرفِ الَّذي ذَلَّ المُلوكُ لِعِزِّهِ، فَرُّخْشَهِ
المُوقِدِ الحَربِ العَوانِ ببَأسِهِ والأُسدُ بينَ مُعرِّدٍ ومُوَهوِهِ
المُفحِمِ الفُصَحاءَ فَصلُ خِطابِهِ مِن ذِي الرَّويَّةِ فيهمُ والمُبدَهِ
فكأنَّ قِرنًا يُبتَلى بنِزالِهِ يُرْمى بطَودٍ فوقَهُ مُتَدهدِهِ
وكذا البَليغُ مُلَجلِجٌ في نُطقِهِ حَصَرًا كألْكَنَ في الكلامِ مُتَهتِهِ
فلْتَبجَحِ العَلياءُ منهُ بمِحرَبٍ عندَ الجِلادِ، وفي الجِدالِ بمِدرَهِ
هو غُرَّةُ الزَّمنِ البَهيمِ وعِصمَةُ الـ ـمُلْكِ العَقيمِ وغَوثُ كلِّ مُؤيِّهِ
مَلِكٌ هُمامٌ حازِمٌ يَقِظٌ رِضا بَحرٌ غَمامٌ عالِمٌ نَدِسٌ نَهِي
فَطِنٌ لِأخذِ مَحامِدٍ خَفِيَت على فَطِنِ الأُلى فلِبعضِها لم يُوبَهِ
مُتنبِّهٌ لِلمَكرُماتِ ولم يَكنْ عنها ينامُ، فيَهتدي بِتَنبُّهِ
يُعْدي على جَورِ الزَّمانِ بعَدلِهِ ويُجيرُ بالنَّعماءِ كلَّ مُولَّهِ
وإذا اسْتَغاثَ إليهِ منهُ مالُهُ كانَت إغاثتُهُ لهُ: صَهٍ اوْ مَهٍ
وعلى شَمائِلِ مَجدِهِ ورُوائِهِ لِلمُلكِ أُبَّهةٌ بغيرِ تَأبُّهِ
ما اللَّيثُ أوغَلَ في التَّرائِبِ نابُهُ سَغِبًا يَصولُ بأَهْرَتٍ مُتَكهكِهِ
يومًا بأسفَكَ لِلدِّماءِ لدى الوَغى منهُ، وأقتَلَ لِلعُداةِ وأعْضَهِ
تَعِبَت أسِنَّتُهُ على عَليائِهِ حتَّى تَفرَّدَ بالمَحَلِّ الأنْوَهِ
فغَدا وراحَ بهِ رَعايا مُلكِهِ في راحةٍ تَتْهو بسَودَدِهِ البَهي
كم في عَناءِ المُتعَبِينَ على العُلا مِن مُترَفٍ بعَنائِهم مُترفِّهِ
انْظُرْ إذا ازْدحَمَ الوُفودُ ببابِهِ مِن كلِّ ذِي أمَلٍ بهِ مُتَوجِّهِ
إنْ شَطَّ لم يَشطُطْ رِضاهُ وإنْ سَطا فيما يُحاوِلُ عندَهُ لم يُنجِهِ
طابَت مَوارِدُهُ فغَصَّ فِناؤُهُ وشَدا الحُداةُ بذِكرِهِ في المَهمَهِ
كالماءِ عندَ وُرودِهِ ما لم يَكنْ عَذبًا نَميرًا سائِغًا لم يُشفَهِ
يا خيرَ بانٍ بالشَّجاعةِ والنَّدى فَخرًا يَهي عُمرُ الزَّمانِ ولا يَهي
يَفْديكَ كلُّ مُملَّكٍ مُتَيايِهٍ أبدًا بألسِنةِ الرَّعاعِ مُمدَّهِ
لا يَفقَهُ النَّجوى إذا حَدَّثتَهُ وإذا أتى بحَديثِهِ لم يُفقَهِ
إنِّي على شَرفِ القَريضِ لَهاجِرٌ لِلنَّظمِ هِجرةَ آنِفٍ مُتَنزِّهِ
أضْحى وعُصبتُهُ كمَمدوحيهمُ في جهلِ قيمةِ ذِي الحِجا والأورَهِ
أبدًا عَرائِسُ مَدحِهِ تُجْلى على دَنِسِ الخَبيئةِ بالعُيوبِ مُشوَّهِ
قُلْ لِلمُميِّزِ مُنشِدًا أو سامِعًا في النَّاسِ بينَ مُفَهَّهٍ ومُفوَّهِ
آلَيتُ لا أوْلَيتُ غيرَكَ مِدحةً شِعرًا، وإنْ أفعَلْ فمِدحةُ مُكرَهِ
أصْبَحتُ مِن نُعماكَ صاحِبَ أنْعُمٍ تُرْجى نَوافِلُها وعَيشٍ أبْلَهِ
وبدا لديكَ صَريحُ فَضْلي مِثلَما لا يَستَسِرُّ لديكَ نَقصُ مُموِّهِ
حُزتَ السَّعادةَ مِن إلهِكَ ما سَرَت في اللَّيلِ دَعوةُ عابِدٍ مُتألِّهِ
المصدر: خريدة القصر وجريدة العصر، عماد الدين الأصفهاني الكاتب، تحقيق: د.شكري فيصل، المطبعة الهاشمية بدمشق، ج6، ص129.
سمات القصيدة
القراءات: 12 قراءة