Skip to main content

إفادة في محكمة الشعر

نزار قباني

العصر الحديث

مَرحَبًا يا عِراقُ جِئتُ أُغَنِّيـ ـكَ وَبَعضٌ مِنَ الغِناءِ بُكاءُ
مَرحَبًا مَرحَبًا أَتعرِفُ وَجهًا؟ حَفَرَتهُ الأيَّامُ وَالأَنواءُ
أَكَلَ الحُبُّ مِن حُشاشةِ قلبي وَالبَقايا تَقاسَمَتها النِّساءُ
كُلُّ أَحبابيَ القُدامى نَسُونِي لَا نُوَارٌ تُجيبُ أَو عَفراءُ
فالشِّفاهُ المُطَيَّباتُ رَمادٌ وَخِيامُ الهوى رَماها الهَواءُ
سَكَنَ الحُزنُ كالعصافيرِ قلبي فَالأَسى خَمرَةٌ وَقلبي الإِناءُ
أَنَا جُرحٌ يَمشي على قَدَمَيهِ وَخُيُولي قد هَدَّها الإِعياءُ
فَجِراحُ الحُسَينِ بعضُ جِراحِي وَبِصدرِي مِنَ الأَسى كَربلاءُ
وأنا الحُزنُ مِن زَمانٍ صديقي وقليلٌ فِي عَصرِنا الأَصدقاءُ
مَرحَبًا يا عِراقُ كيفَ العَباءَا تُ وكيفَ المَها وَكيفَ الظِّباءُ
مَرحَبًا يا عِراقُ هل نَسِيَتني بَعدَ طُولِ السِّنينِ سَامَرَّاءُ
كيفَ أَحبابُنا على ضِفَّةِ النَّهْـ ـرِ وَكيفَ البِساطُ والنُّدَماءُ
كانَ عِندي هُنا أميرةُ حُبٍّ ثُمَّ ضاعَت أَميرتي الحسناءُ
أَينَ وجهٌ فِي الأعظَميَّةِ حُلْوٌ لو رأتهُ تَغارُ مِنهُ السَّماءُ
إِنَّني السِّندِبادُ مَزَّقَهُ البَحْـ ـرُ وَعَيْنا حبيبتي المِيناءُ
مَضَغَ المَوجُ مَركَبي، وَجَبيني ثَقَبَتهُ العَواصِفُ الهَوجاءُ
إِنَّ في داخلي عُصُورًا مِنَ الحُزْ نِ فَهَلْ لي إِلى العِراقِ الْتِجاءُ؟
وأنا العاشِقُ الكبيرُ ولكنْ ليسَ تَكفي دفاتري الزَّرقاءُ
يا حُزيرانُ ما الَّذي فعلَ الشِّعْـ ـرُ وَماذا أعطى لنا الشُّعَراءُ؟
الدَّواوينُ في يَدَينا طُرُوحٌ وَالتَّعابيرُ كُلُّها إِنشاءُ
كُلَّ عامٍ نَأتي لِسُوقِ عُكاظٍ وعلينا العَمائِمُ الخَضرَاءُ
وَنَهُزُّ الرُّؤوسَ مِثْلَ الدَّراويـْ ـشِ وبالنَّارِ تَكتوي سَيناءُ
كُلَّ عامٍ نَأْتي فَهَذا جَريرٌ يَتَغَنَّى وهذِهِ الخَنساءُ
لم نَزلْ لم نَزلْ نُمَصْمِصُ قِشرًا وَفِلَسطينُ خَضَّبَتْها الدِّماءُ
سَقَطَتْ في الوُحُولِ كُلُّ الفَصاحا تِ وماتَ الخَليلُ والفَرَّاءُ
يا حُزيرانُ أنتَ أَكبرُ مِنَّا وأبٌ أنتَ ما لَهُ أَبناءُ
لو مَلَكنا بَقيَّةً مِن إِباءٍ لَانْتَخَيْنا لكنَّنا جُبَناءُ
يَا عُصُورَ المُعَلَّقاتِ مَلِلْنا وَمِنَ الجِسمِ قد يَمَلُّ الرِّداءُ
نِصفُ أشعارِنا نُقُوشٌ وَماذا يَنفَعُ النَّقشُ حينَ يَهوِي البِناءُ؟
المَقاماتُ لُعبةٌ وَالحَريريُّ ..حَشِيشٌ وَالغُولُ وَالعَنقاءُ
ذَبَحَتنا الفُسَيْفِساءُ عُصُورًا وَالدُّمى وَالزَّخارِفُ البَلْهاءُ
نَرفُضُ الشِّعرَ كِيمِياءً وَسِحْرًا قَتَلَتنا القصيدةُ الكِيمِياءُ
نَرفُضُ الشِّعرَ مَسرَحًا مَلَكيًّا مِن كَرَاسيهِ يُحرَمُ البُسَطاءُ
نَرفُضُ الشِّعرَ أَن يكونَ حِصانًا يَمتَطيهِ الطُّغاةُ وَالأَقوياءُ
نَرفُضُ الشِّعرَ عَتمةً وَرُمُوزًا كَيفَ تَسْطِيعُ أَنْ تَرى الظَّلْماءُ؟
نَرفُضُ الشِّعرَ أرنبًا خَشَبيًّا لَا طُمُوحٌ لَهُ وَلَا أَهواءُ
نَرفُضُ العاطِلينَ في قَهوةِ الشِّعْـ ـرِ دُخانٌ أيَّامُهُمْ وَارْتِخاءُ
شِعرُنا اليومَ يَحفِرُ الشَّمسَ حَفرًا بِيَدَيهِ فَكُلُّ شَيءٍ مُضاءُ
شِعرُنا اليومَ هَجمةٌ وَاكْتِشافٌ لَا خُطُوطٌ كُوفيَّةٌ وَحِداءُ
كُلُّ شِعرٍ مُعاصِرٍ ليسَ فِيهِ غَضَبُ العَصرِ نَملةٌ عَرْجاءُ
ما هُوَ الشِّعرُ إِنْ غَدا بَهلَوانًا يَتَسَلَّى بِرقصِهِ الخُلَفاءُ
ما هُوَ الشِّعرُ حينَ يُصبِحُ فَأْرًا كِسْرَةُ الخُبزِ هَمُّهُ وَالغِذاءُ
وَإِذا أَصبحَ المُفَكِّرُ بُوقًا يَستوي الفِكرُ عِندَها وَالحِذاءُ
يُصْلَبُ الأنبياءُ مِن أجْلِ رَأيٍ فَلِماذا لا يُصلَبُ الشُّعَراءُ؟
الفِدائيُّ وَحدَهُ يَكتُبُ الشِّعْـ ـرَ وَكُلُّ الَّذي كَتَبْنا هُراءُ
إِنَّهُ الكاتِبُ الحَقيقيُّ لِلعَصْـ ـرِ وَنحنُ الحُجَّابُ وَالأُجَراءُ
عِندَما تبدأُ البنادِقُ بالعَزْ فِ تَموتُ القصائِدُ العَصْماءُ
ما لَنا ما لَنا نَلُومُ حُزيرا نَ وفي الإِثمِ كُلُّنا شُرَكاءُ
مَنْ هُمُ الأَبرياءُ؟ نحنُ جميعًا حامِلُو عارِهِ وَلا اسْتِثْناءُ
عَقلُنا فِكْرُنا هُزالُ أَغَانِيْـ ـنَا رُؤَانا أقوالُنا الجَوْفاءُ
نَثرُنا شِعرُنا جَرائِدُنا الصَّفْـ ـرَاءُ وَالحِبْرُ وَالحُرُوفُ الإِماءُ
البُطُولاتُ مَوقِفٌ مَسْرَحيٌّ وَوُجُوهُ المُمَثِّلِينَ طِلَاءُ
وَفِلَسطينُ بَينَهُمْ كَمَزادٍ كُلُّ شَارٍ يَزيدُ حينَ يَشاءُ
وَحْدَوِيُّونَ!! وَالبِلادُ شَظايا كُلُّ جُزءٍ مِنْ لَحمِها أَجزاءُ
مَارْكِسِيُّون!! وَالجَماهيرُ تَشقى فَلِماذا لا يَشبَعُ الفُقَراءُ؟
قُرَشِيُّونَ!! لو رَأَتهُمْ قُرَيشٌ لَاسْتَجارَت مِن رَمْلِها البَيْداءُ
لَا يَمينٌ يُجيرُنا أَوْ يَسارٌ تَحتَ حَدِّ السِّكِّينِ نَحنُ سَوَاءُ
لو قَرَأْنا التَّاريخَ ما ضاعَتِ القُدْ سُ وَضاعَت مِنْ قَبلِها الحَمراءُ
يا فِلَسطينُ لا تَزالينَ عَطْشى وَعلى النِّفطِ نامَتِ الصَّحراءُ
العَباءَاتُ كُلُّها مِن حريرٍ وَاللَّيالِي رَخيصةٌ حَمراءُ
يَا فِلَسطينُ لَا تُنادي عليهمْ قد تَساوى الأَمواتُ وَالأَحياءُ
قَتَلَ النَّفطُ ما بِهمْ مِن سَجايا وَلَقدْ يَقتُلُ الثَّريَّ الثَّراءُ
يَا فِلَسطينُ لَا تُنادي قُرَيشًا فَقُرَيشٌ ماتَتْ بِها الخُيَلاءُ
لا تُنادي الرِّجالَ مِن عَبدِ شَمسٍ لَا تُنادِيلم يَبقَ إِلَّا النِّساءُ
ذُرْوَةُ الذُّلِّ أَن تَموتَ المُرُوءَا تُ وَيَمشي إِلى الوَراءِ الوَراءُ
مَرَّ عامانِ وَالغُزاةُ مُقيمُوْ نَ وَتاريخُ أُمَّتي أَشْلاءُ
مَرَّ عامانِ وَالمسيحُ أَسيرٌ في يَدَيْهِمْ وَمَريَمُ العَذْراءُ
مَرَّ عامانِ وَالمَآذِنُ تَبكي وَالنَّواقيسُ كُلُّها خَرْساءُ
أَيُّها الرَّاكِعُونَ في مَعبَدِ الحَرْ فِ كَفَانا الدُّوَارُ وَالإِغماءُ
مَزِّقُوا جُبَّةَ الدَّراويشِ عنكُمْ وَاخْلَعُوا الصُّوفَ أَيُّها الأَتقياءُ
اُترُكُوا أولياءَنا بِسَلامٍ أَيُّ أَرضٍ أَعادَها الأَوْلِياءُ؟
في فمييا عِرَاقُ ماءٌ كَثيرٌ كيفَ يَشكُو مَن كانَ في فِيهِ ماءُ؟
زَعَمُوا أَنَّني طَعَنتُ بِلادي وَأنا الحُبُّ كُلُّهُ وَالوَفاءُ
أَيُريدونَ أَن أُمُصَّ نَزِيفي؟ لَا جِدَارٌ أَنا ولا بَبَّغاءُ
أَنَا حُرِّيَّتي فإِنْ سَرَقُوها تَسقُطُ الأَرضُ كُلُّها وَالسَّماءُ
مَا احْتَرَفتُ النِّفاقَ يَومًا وَشِعْرِي مَا اشْتَراهُ المُلُوكُ وَالأُمَراءُ
كُلُّ حَرفٍ كَتبتُهُ كانَ سَيفًا عَرَبيًّا يَشِعُّ مِنهُ الضِّياءُ
وَقَليلٌ مِنَ الكَلامِ نَقِيٌّ وَكَثيرٌ مِنَ الكَلامِ بَغاءُ
كَم أُعاني مِمَّا كَتبتُ عَذابًا وَيُعاني في شَرْقِنا الشُّرَفاءُ
وَجَعُ الحرفِ رائعٌ أَوَتَشكو لِلْبساتينِ وردةٌ حَمراءُ؟
كُلُّ مَنْ قَاتَلُوا بِحَرفٍ شُجاعٍ ثُمَّ ماتُوا فَإِنَّهُمْ شُهَداءُ
لَا تُعاقِبْيا رَبِّ مَن رَجَمُوني وَاعْفُ عَنهُم لِأنَّهُم جُهَلاءُ
إنَّ حُبِّي لِلأَرضِ حُبٌّ بَصيرٌ وَهَواهُم عَوَاطِفٌ عَمْياءُ
إِنْ أَكُنْ قد كَوَيْتُ لَحمَ بِلادي فَمِنَ الكَيِّ قد يَجيءُ الشِّفاءُ
مِن بِحارِ الأسى وَلَيلِ اليتامى تَطلُعُ الآنَ زهرةٌ بَيْضاءُ
مِن شُحُوبِ الخريفِ مِن وَجَعِ الأَرْ ضِ تَلُوحُ السَّنابِلُ الخَضْراءُ
وَيُطِلُّ الفِداءُ شمسًا عَلَينا ما عَسانا نكونُ لولا الفِداءُ
مِن جِراحِ المُناضِلينَ وُلِدْنا وَمِنَ الجُرحِ تُولَدُ الكِبرِياءُ
قبلَهُمْ لم يَكُنْ هُنالِكَ قَبْلٌ اِبْتِداءُ التَّاريخِ مِن يَومِ جاؤوا
هَبَطُوا فَوقَ أَرضِنا أَنبياءً بَعدَ أَنْ ماتَ عِندَنا الأَنبياءُ
أَنقَذُوا ماءَ وَجْهِـنا يَومَ لاحُوا فَأضاءَتْ وُجُوهُنا السَّوداءُ
مَنَحُونا إلى الحياةِ جَوازًا لم تَكُنْ قبلَهُمْ لنا أَسماءُ
أَصدقاءَ الحُروفِ لَا تَعذِلُوني إِنْ تَفَجَّرتُ أَيُّها الأَصدقاءُ
إِنَّني أَخْزُنُ الرُّعُودَ بِصدري مِثلما يَخْزُنُ الرُّعُودَ الشِّتاءُ
أَنا ما جِئتُ كي أكونَ خَطيبًا فَبِلادي أَضاعَها الخُطَباءُ
إِنَّني رافضٌ زَماني وَعَصْري وَمِنَ الرَّفضِ تُولَدُ الأَشياءُ
أَصدقائي حَكَيْتُ مَا ليسَ يُحْكى وَشَفِيعي طُفُولَتي وَالنَّقاءُ
إِنَّني قادِمٌ إليكُمْ وَقلبي فَوقَ كَفِّي حَمامَةٌ بَيْضاءُ
اِفْهَمُونِيفَمَا أَنَا غَيْرُ طِفْلٍ فَوقَ عَينَيهِ يَستَحِمُّ المَسَاءُ
أنا لا أعرِفُ ازْدِواجيَّةَ الفِكْـ ـرِ فَنَفْسِي بُحَيرَةٌ زَرقاءُ
لِبِلَادِي شِعْرِي وَلستُ أُبالي رَفَضَتهُ أَمْ بَارَكَتهُ السَّماءُ
المصدر : الأعمال السياسية الكاملة المُجلَّد الثالث منشورات نزار قباني ـ بيروت الصفحة 391
سمات القصيدة
القراءات: 24 قراءة