Skip to main content

النسر والبلبل

والفجرُ مثلُ عِذارِ مَن صارَت لهُ سِتُّونَ عامًا بعدَ حُسنِ سَوادِهِ
أو ثغرِ مَحبوبٍ تَبسَّمَ في الدَّجى إذ زارَ مَن يهواهُ بعدَ بِعادِهِ
فكأنَّهُ للشَّمسِ جسمٌ والسُّهى عينٌ وللمِرِّيخِ قلبٌ يَخفِقُ
ولكلِّ نجمٍ في السَّماءِ شرارةٌ تُردِي شياطينَ الرُّجومِ وتَحرقُ
غابوا لِمطلَعِهِ إليهم واختَفوا ورأَوهُ يَجمعُ نفسَهُ فتَفرَّقوا
كأَنَّها مُقلةُ الحبيبِ إذا خافَ حُضورَ الرَّقيبِ أو حَذِرا
أوحى بها والعيونُ ترمُقُهُ وهمًا إلى مَن يُحبُّهُ فدَرى
أو لُجَّةُ البحرِ إِثرَ عاصفةٍ صافحَتِ المَتنَ منهُ فاصْطَفَقا
فطارَ عقلُ النُّوتيِّ مِن فَرَقٍ وخرَّ موسى جَنانُه صَعِقا
فكأنَّ لَمعَ البرقِ خطفُ هُوِيِّهِ وكأنَّ رشقَ السَّهمِ نَفضُ سُمُوِّهِ
وكأنَّما جعلَ الرِّياحَ خوافيًا لِجناحِهِ في خَفضِهِ وعُلُوِّهِ
كَلَيالي الوِصالِ بعدَ صُدودٍ مِن حبيبٍ كالبدرِ بل هوَ أبهى
إن رأيتَ الغِنى ونيلَ المُنى جَمْــ ــعًا وقابَلتَهُ بها فهْيَ أشهى
رَوضٌ أَرِيضٌ وصَوبٌ صائبٌ وَحَيًا مُحيٍ وغيثٌ مُغيثٌ دائمُ الدِّيَمِ
تباركَ اللهُ ذو الآلاءِ كم سَفَرَتْ وُجوهُ أحكامِهِ لِلخلقِ عَن حِكَمِ
أو وَجنةُ الحِبِّ قَرَّت في ملاحَتِها عينُ المُحِبِّ فأبدَت حُمرةَ الخَجَلِ
رَقَّت فأيسَرُ وَهمِ الفكرِ يَجرحُها فكيفَ إن لَمَسَتها راحةُ القُبَلِ
كأنَّهُ وُدُّ مَن تمَّت مَودَّتُهُ باقٍ معَ الدَّهرِ لا يَبلى مدى الأَمَدِ
يُهدى إلى مَن لهُ حُسنٌ يَضِنُّ بِهِ أي قد غسلتُ بماءِ اليأْسِ منكَ يدي
مُتشوِّفٌ كالصَّبِّ خَوفَ رقيبِهِ إذ حانَ وقتُ زيارةٍ لِحبيبِهِ
فلهُ إلى جانيهِ نظرةُ خائفٍ منهُ، وشكوى مُدنَفٍ لِطبيبِهِ
وكم في الرَّوضِ مِن بِدَعٍ وصُنعٍ وآياتٍ تدلُّ على القديمِ
وأسرارٍ يَحارُ العقلُ فيها فليسَ تكونُ إلَّا مِن حكيمِ
تُجلى عرائسُها بكلِّ مُصَبَّغٍ وتَميسُ تحتَ غلائلِ الأزهارِ
فكأنَّما فَتَقَ الرَّبيعُ لِأرضِها بيَدِ النَّسيمِ نَوافِجَ العطَّارِ
على مثلِها ظِلتُ فردًا أَهِيْـ ـمُ وَجدًا وأُمعنُ وَحدي المطارا
فأستخبِرُ الشُّهُبَ النَّيِّرا تِ عنها وأقطعُ دارًا فَدارا
ويهتفُ طورًا بذكرِ الفِراقِ وطورًا بذكرِ بِعادِ الحبيبْ
ويَغتَنمُ الوقتَ وقتَ الوِصا لِ حينَ خلا مِن حضورِ الرَّقيبْ
نغمةٌ تجلِبُ السُّرورَ وتُحيِي ميِّتَ القلبِ مِن ثرى الأحزانِ
وتردُّ الشَّبابَ بعدَ ثمانيــ ـنَ وتُزرِي بِرنَّةِ العِيدانِ
ما أُديرَت إلَّا وقيلَ اسمعوا دا وُودَ يَتلُو زَبورَهُ في الجنانِ
فكأنَّه ثَكلى على ولدٍ فقدَتهُ بعدَ الضَّعفِ والكِبَرِ
فلها انتحابٌ حينَ تذكرُهُ يُنسيكَ لَذَّةَ نغمةِ الوترِ
يُثيرُ صوتُكَ في القلْـ ـبِ إن تَرنَّمتَ حُزْنا
وتُخجلُ النَّايَ حُسنًا وتُعجزُ العودَ لَحنا
ولَعَمريْ كذلك الدَّهرُ لا يرْ فعُ إلَّا مَن كانَ بالخَفضِ أَولى
ينظرُ العاقلُ اللَّبيبُ بعينٍ هيَ لا شكَّ حينَ تنظرُ حَوْلا
وما نطقَ الفِيلُ الكبيرُ بعُظمِهِ وقد نطقَت قِدمًا مُقَدَّمةُ النَّملِ
كذلكَ ما أوحى إلى النَّسرِ ربُّنا وإن كانَ ذا عُظمٍ وأوحى إلى النَّحلِ
ومَن هابَ أمرًا ثمَّ لم يكُ مُقدِمًا عليه بِصدقِ العزمِ والقولِ والفعلِ
ومُدمِنُ القرعِ لِلأبوابِ مُنتظرٌ بكثرةِ القرعِ للأبوابِ أن يَلِجا
فانهضْ إذا ضِقتَ ذَرعًا بالأمورِ ولا تقعُدْ وقُمْ مستَثيرًا وانتظرْ فَرَجا
هذه أبيات بأوزان وأغراض مختلفة نقلها صاحب الكتاب العماد الأصفهاني من رسالة كتبها الشاعر المهذب أبو طالب الدمشقي وقد وَسَمها بـ"النَّسْر والبُلبل":

المصدر: «خريدة القصر وجريدة العصر - قسم شعراء الشام - تح: د. شكري فيصل – المطبعة الهاشمية بدمشق 1375هـ - 1955م» (ج1 ص 340)

سمات القصيدة
القراءات: 11 قراءة