Skip to main content

اللهيب المطهر

محمد المجذوب

العصر الحديث

لَقَد لامَني غَسَّانُ لمَّا رآنيـا أُغالِبُ أَجفاني على الدَّمعِ جاريا
يقولُ: عَلامَ الضَّعفُ يَغشاكَ كُلَّما سَمِعتَ كِتابَ اللهِ، أو كنتَ تاليا
وأنتَ الذي لَقَّنتَنا الصَّبرَ حِكمةً يَخِرُّ لَدَيها الخَطبُ خَزيانَ واهيا
ولستُ بِفضلِ اللهِ مِمَّن إذا جَرى على السَّمعِ ذِكْرُ اللهِ أعرَضَ جافيا
ولكنَّني أعصي جُفوني، وفي الحَشا مَراجِلُ دمعٍ قد بَلغنَ التَّراقيا
أذلِكَ رَجْعُ السِّنِّ وافاكَ مُبْكِرًا أمِ السُّقْمُ، أم أشياءُ لم أدرِ ما هيا
فقلتُ: رويدًا يا بُنَيَّ فإنَّني أُعيذُكَ أن تَشتطَّ في الحُكمِ باغيا
هو الحُبُّ يا غسَّانُ يَستبدِلُ النُّهى جُنونًا، ويَستخذي لهُ الدَّمعُ عاصيا
وليسَ "جَميلٌ" لا وربِّ بُثينةٍ بأوجَدَ مِنِّي لو تَعرفتَ شانِيا
ولا ابْنُ ذَريحٍ إذ يُفارِقُ رُشدَهُ بليلى أشَدَّ اليومَ مِنِّي تَفانِيا
سَبى قَبليَ العُشَّاقَ جِيدٌ ومُقلةٌ فَجُنُّوا وما لِيْموا، فكيفَ مَلامِيا
وما أنا بالباغي على الحُبِّ مُتعةً وأخجلُ أن يلقانيَ اللهُ لاهيا
ولكنَّ في حُبِّي لهيبًا مُطهِّرًا وجدتُ بهِ مِن كُلِّ داءٍ شِفائيا
لَئِن هامَ غَيري بالجَمالِ فإنَّما بمَصدَرِ أسرارِ الجَمالِ هُيامِيا
ورُبَّ حديثٍ مِن حبيبٍ مُغَرِّرٍ ألَمَّ بصَبٍّ فاسْتُطيرَ تَصابِيا
تراءَت لهُ أحلامُهُ مِن خِلالِهِ فكانَ هو الدُّنيا، وكانَ الأمانيا
فكيفَ تَراني أملِكُ الوعيَ لَحظةً إذا رَجَّعَ التَّالونَ تِلكَ المَثانِيا!
وفي كُلِّ حرفٍ ثَمَّ لِلقلبِ نَفحةٌ أكادُ بها أنسى وُجودي وذاتِيا
وأُوشكُ فيها أن أرى اللهَ جَهرةً يُطِلُّ برُحماهُ عَلَيَّ مُناجِيا
فتسبَحُ رُوحي منهُ في كُلِّ عالَمٍ أرى كُلَّ شيءٍ فيهِ ــ حاشاهُ ــ فانِيا
فلا قَيدَ مِن خوفٍ وفَقرٍ ورَغبةٍ ولا سِترَ إلَّا النُّورَ يَغشى المآقيا
كَهارِبُ لو مَسَّت حَشا الطَّودِ راسِخًا لَخَرَّ لها مِن خَشيةِ اللهِ جاثِيا
أقِلَّ عَلَيَّ اللومَ، غسَّانُ، إنَّني سعيدٌ بهذا الدَّمعِ يُفني كِيانِيا
فلم يَبكِ مِن ضَعفٍ أبوكَ، وإنَّما حَنينًا لِمَن يَعنو لهُ الكَونُ باكيا
المصدر: همسات قلب؛ مختارات مِن شعر محمَّد المجذوب، الطبعة الأولى 1390هـ ـ 1970م، الصفحة:39
سمات القصيدة
القراءات: 16 قراءة