Skip to main content

الجلاء

شفيق جبري

العصر الحديث

حُـلْـمٌ عـلى جَـنَـباتِ الشَّـامِ أَم عِـيـدُ؟ لا الـهَـمُّ هَـمٌّ ولا الـتَّـسـهـيـدُ تَـسـهـيـدُ
أَتـكـذِبُ الـعَـيـنُ والـرَّايـاتُ خـافِـقَـةٌ؟ أَم تَـكـذِبُ الأُذْنُ والـدُّنـيـا أَغـاريـدُ؟
وَيْـلَ الـنَّـمـارِيـدِ لا حِـسٌّ ولا نَـبَـأٌ ألا تَـرى مـا غَـدَت تِـلـكَ الـنَّـمـارِيـدُ؟
كـأنَّ كُـلَّ فُـؤادٍ فـي جَـلائِـهِـمُ نَـشـوانُ قَـد لَـعِـبَت فـيـهِ الـعَـنـاقـيـدُ
مِـلءُ الـعُـيـونِ دُمـوعٌ مِـن هَـناءَتِها فـالـدَّمـعُ دُرٌّ عـلى الـخَـدَّيـنِ مَـنـضـودُ
لـو جـاءَ داوُوْدُ والـنُّـعَـمـى تُـضاحِكُنا لَـهَـنَّـأَ الـشَّـامَ فـي الـمِـزمـارِ داوُوْدُ
عـلى الـنَّـواقـيـسِ أَنـغـامٌ مُـسَـبَّـحَـةٌ وفـي الـمَـآذِنِ تَـسـبـيـحٌ وتَـحـمـيـدُ
لـو يُـنـشِدُ الـدَّهـرُ فـي أَفـراحِـنـا مَـلَأَتْ جَوانِـبَ الـدَّهـرِ فـي الـبُـشرى الأناشيدُ
هـذي بـقـايـاكِ يـا حِـطِّـيـنُ بَـدَّدَهـا لِلـهِ ظِـلٌّ بـأَرضِ الـشَّـامِ مَـمـدودُ
لَـيـتَ الـعُـيـونَ-صَـلاحَ الـدِّيـنِ- نـاظِـرةٌ إلى الـعَـدُوِّ الَّـذي تَـرمـي بِـهِ الـبِـيـدُ
اِضرِبْ بـعَـيـنِـكَ هل تَـلقى لَـهُ أَثَـرًا كـأنَّـهُ شَـبَحٌ في اللَّـيلِ مَـطـرودُ
ظَنَّ اجتياحَكِ مأمونًا فَشَرَّدَهُ حَدُّ السُّيوفِ ولِلأسيافِ تَشريدُ
لم يَبْـقَ غِـلٌّ على رَبْـــعٍ تُـظَلِّلُـهُ تَشقى بِــهِ اليَـدُ أو يَشقى بِـهِ الجِيْدُ
أضحى رُفـاتُـكِ في أمْـنٍ وفي دَعَـــةٍ سَيفُ العَـدُوِّ على الأحـقـابِ مَـغـمـودُ
أينَ الأعاجِمُ؟ مــا حَـلُّـوا ومـا رحَلوا كأنَّهُم حُـلُـمٌ في الفـجرِ مَـردودُ
مَن كانَ يَحسَبُ أنَّ الشَّامَ يلفظُهُمْ وأنَّ طيفَهُمُ في الشَّــــام مَفقودُ
تَمَكَّنوا مِن جبالِ الشَّامِ وَاعْتصَموا فكلُّ حصنٍ على الأجيالِ مِـرِّيدُ
فما حَمَتهُم قِلاعٌ في مَشارِفِها ولا أظلَّهُمُ حَشْــــدٌ وَتَجنيــــدُ
أينَ القِلاعُ على الأطْوادِ عاتيةً وأينَ منها تَهاويلٌ وتـهديـدُ
أيَحسَبونَ قَصيفَ الرَّعدِ مَرْعَبَةً قَصيفُ رَعدِهِمُ في السَّمعِ تَـغريدُ
فما القواذِفُ بالنِّيران هادِمـةً حَوْضًا تَـعَـهَّـدَهُ قـومٌ صَـناديدُ
ظِـلُّ الـعُـروبَـةِ إن يَـغـضَـبْ لِـوارِفِـهِ يَـغـضَـبْ لَـهُ الـغُـرُّ مِـن عَـدنانَ والـصِّـيْـدُ
يـا يَـومَ أيَّـارَ والـنِّـيـرانُ مُـلـهَـبَـةٌ عـلى دِمـشـقَ تُـلَـظِّـيـهـا جَـلامـيـدُ
ذِكرى سُجونِكَ ما تَنفَكُّ مـاثِـلَـةً لَم يَـمـحُ مِن هَـوْلِـهـا عِـيـدٌ وتَـعـيِـيـدُ
هَـذي ضَـحـايـاكَ في الأيَّـامِ آبِـدَةً ولِـلـضَّحـايـا عـلى الأيَّـامِ تَـأْبـيـدُ
الـطِّـفـلُ في الـمَـهـدِ لَم تَـهدَأْ مَـضـاجِـعُـهُ مُـرَوَّعٌ مِـن لَـهـيـبِ الـنَّـارِ مَـكـمـودُ
تَـلُـفُّـهُ أُمُّـهُ مـا بَـيـنَ أضـلُـعِـهـا ومَـوقِـدُ الـنَّـارِ مِـطـرابٌ وغِـرِّيـدُ
فَـقُـلْ لِـصَـحـبِـكَ والأمـواجُ تَـحـمِـلُـهُم هَـلِ الـحَـضـارةُ تَـذلـيـلٌ وتَـعـبـيـدُ؟
يـا نـازِحـيـنَ ونـارُ الـجُـرحِ تَـأكُـلُـكُم ومـا لِـجُـرحِـكُـمُ بُـرْءٌ وتَـضـمـيـدُ
تِلكَ التَّقاليدُ أَلقَينا سَلاسِلَها ألَمْ تَرَوا ما جَنَت تِلكَ التَّقاليدُ
جَنَّاتُ عَدْنٍ رَتَعتُم في نَواضِرِها خَلَّيتُموها وَلا ماءٌ وَلا عُودُ
لِلمُلْكِ رَهْطٌ وَلَستُم مِن أَراهِطِهِ ضاعَت بِأَيديْكُمُ مِنهُ المَقاليدُ
هَلِ انْـتُدِبتُم إِلى تَوطيدِ دَولَتِكُم بِالعُنفِ؟ هَيهاتَ ما في العُنفِ تَوطيدُ
لا تَستَقيمُ مَعَ التَّهديمِ مَملَكةٌ وَإنَّـمـا المُلْكُ بُنيانٌ وَتَخليدُ
أَغَرَّكُم مِن شَبابِ الشَّامِ يَومُهُمُ بِميسَلونَ وَلِلأَيَّـامِ تَنكيدُ
جِئتُم حِماهُم فَلَم يَملِكْ جُفونَهُمُ غَمْضُ اللَّيالي وَهَل يَغفو المَقاييدُ
ما نامَتِ الشَّامُ عَن ثَأْرٍ تُبَـيِّـتُـهُ هَيهاتَ ما نَومُها في الثَّأرِ مَعهودُ
تَكادُ تُفلِـتُ مِن أَكفانِها رِمَمٌ لِتَشهَدَ الثَّأرَ، يَومُ الثَّأرِ مَشهودُ
لَوِ اسْتَطاعَت لَهَبَّت مِن مَدافِنِها تَسعى الزَّرافاتُ فيهِ وَالمَواحيدُ
يا ميسَلونُ وَما الأَحداثُ مُنسِيَةً ذِكرى تُـفـيِّـئُـها تِلكَ الأَماليدُ
هـذي دِمـاؤُكِ مــا تنـفـكُّ دافِـقَـةً تَـجري بِها في حِمى الوادي الأَخـاديدُ
مِـن بـابِ واديـكِ هـاجَ الـعِـلْـجُ أدمُعَـنا وبـابُـكِ الـيومَ دُونَ الـعِـلْـجِ مَـسـدودُ
ثـارَت لَـكِ الـشَّــامُ لَم تَـقْهَـرْ مـرابِـعَـهـا شَــدائـِـــدٌ غلغلَتْ في جَـوِّهــا سُـــودُ
وكُـلَّما بَـلِيَت أفْـــــوافُ غُـوطَتِـهــا عـادَت وفي الغـوطةِ الغَـنَّـاء تَـجـديـدُ
خَلَت مُلوكٌ وأرضُ الشَّامِ طاويـةٌ تـاجَ المُلوكِ، وتـاجُ الشَّـامِ مَعقـودُ
يا فِـتْـيَـةَ الشَّـامِ للعـلـيـاءِ ثـورتُـكُـمْ ومـا يَـضيعُ مَـعَ الـعـلـيـاءِ مَـجـهـودُ
جُـدْتُـمْ فَـسَـالَت عـلى الثَّوراتِ أنفُـسُكُم عَـلَّمْـتُـمُ النَّاسَ في الثَّوراتِ ما الجودُ
بَـنَـيـتُـمُ الـمُلْـكَ من أشـلاءِ عِـتْـرَتِكُم يُـوَطِّدُ الـمُـلْـكَ مَهـشـومٌ ومَـحصـودُ
تِـلكُـمْ قُـرَيشٌ وأنتُم في ذُؤابَـتِـهـا تُــوحي إلـيكُمْ على الأيَّـامِ أنْ سُودُوا
ولـلـعُـروبَـــــةِ في أظـلالِـكُـمْ لَـجَبٌ لها مِنَ الوَحْيِ والقُرآنِ تأييـــدُ
ما في النَّعيمِ عَنِ اسْتقلالِكُم عِـوَضٌ وكيفَ يَنعَمُ مَغلولٌ ومَصفودُ
فَإِن جَمَعتُم شَتاتَ الأمرِ بَينَكُمُ فَالمُلْكُ مُتَّسِعُ الأفياءِ مَولودُ
إِن لَم تَكُن مُضَرُ الحَمراءِ سائِدَةً فَما يُـقِـرُّ عُيونَ العُرْبِ تَسويدُ 1
المصدر: ديوان "نَوْحُ العندَليب" مكتبة شفيق جبري، دار قتيبة، شرحَه قدري الحكيم الطَّبعة الثَّانية الصفحة:67

1 مُضر بن نزار بن معد بن عدنان، وقبيلة مُضر من أمهات القبائل العربية، وقيل لمُضرَ الحمراءُ، ولربيعةَ الفرسُ، لأنهما لما اقتسما الميراث أعطي مُضَرُ الذهبَ وأعطي ربيعةُ الخيلَ. و (مُضَرُ الحمراء) بالإضافة (اللسان) (حمر) .

سمات القصيدة
القراءات: 30 قراءة